رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السيرة النبوية وعلاقتها بالتاريخ
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن السيرة النبوية وعلاقتها بالتاريخ
بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لا شك فيه أن الثقافةَ العامَّة في مضمونها الواقِعي، الذي يَحْياه عامةُ البشَر – تُمثِّل غايةَ آمال المتعالمين، وأقصى ما ينتهي إليه قصدُ المتخاذلين، وهي لغة المتشدِّقين المتفيهقين، وهي وإنْ كانت كما وصفَها العلامة/ محمود شاكر – رحمه الله -: “بأنَّها ثمارُ المعارف جميعًا”[1]، إلا أنَّ هذه المعارفَ لا قيمةَ لها بغير دِين.
وإنما بدأْنا بهذا البيان أولاً؛ لنؤكِّد أنَّ الإسلام ليس ثقافةً عامَّة يلم بها الفردُ المسلِم كما يلم بأيِّ ثقافة أخرى، وليستِ الثقافة – خزانة كتب – وإن بدَا الواقع كذلك، وهو خطأٌ بلا شك.
كذلك الدين ليس ثقافة: “فإنَّ الثقافة تكاد تكون سِرًّا من الأسرار الملثمة في كلِّ أمَّة من الأمم، وفي كلِّ جيل مِن البشر، وهي في أصلها الراسِخِ البعيدِ الغورِ معارفُ كثيرة لا تُحصَى”[2]، وحقائقها عميقة بعيدةُ الغور متشعِّبة، ورأس كلِّ ثَقافة هو الدِّين[3]؛ فإنْ كانتْ بلا دِين فهي بلا ثِمار، والإسلام مضمونُه وجوهرُه القرآن، وتفسيره السُّنة، وأساس تعاليمه السِّيرة النَّبويَّة، ولو شئتَ لقلت: وأساسه التاريخ (ونعني به التاريخَ الرِّسالي)، وتاريخ المسلمين خاصَّة كذلك ليس ثقافةً جوفاء، وليس دولابًا مكتظًّا بأوراقٍ بالية صفراء، لها مِن عطر الذِّكرى ورائحة السِّنين ما لها، ولو أردتَ لقُلتَ: إنَّ السيرة النَّبويَّة هي مضمونُ التاريخ، ولبُّه وقلبُه، وكذلك ضميره المنبثق من ضمير صاحب السِّيرة، وهي أزْهَى عصور التاريخ (العام والرِّسالي) قاطبة.
إنَّنا لكي نحاولَ فَهْم السيرة النَّبويَّة فَهْمًا دقيقًا لا بدَّ لنا أن نُميط اللثام، ونكشفَ بعض الأسرار وراءَ اهتمام الغربِ بتاريخ المسلمين، ولو دقَّقت لقلت: اهتمام المستشرقين بسِيرة خير النبيِّين.
والسؤال الذي نبحث له عن إجابة: لِمَ كلُّ هذا الاهتمام بتاريخ تلك الأمَّة؟
إنَّه سؤالٌ واقعي، هامٌّ وجادٌّ، وليس مجرَّد ثرثرة ثقافية، أو مجرد أطروحات خياليَّة عبثية، أو مجرَّد حُلم مرَّ بخاطر رجل مكدود.
كذلك نريد أن نَعرِف العوامل التي جعلتْ كثيرًا من المسلمين في مَعْزِل عن السيرة، بل وفي مَعْزِل عن التاريخ الإسلامي كلِّه، وما العواملُ التي جعلتْ من السيرة عبارةً عن فنِّ تمايل ورقْص، وشُرْب دخان في يوم المولد – زَعَموا – وماذا فعَل الغرْبُ بقلوبنا وبعقولنا تُجاهَ سيرة نبينا؟!
وما العواملُ التي جعلتْ تطبيقَ السيرة في حياة الفرْد المسلم أشبهَ بخرافة، أو أسطورة، أو ضَرْب من ضروب المستحيل؟
وإذا اكتفيتُ أنا بطرح هذه الأسئِلة، ودعوتُ القارئ أن يضمَّ إليها تلك الأسئلة التي تختلج في صدرِه، بل وتختلج في صدورِ جميع المسلمين حولَ أسباب هِجران السيرة، لكانتْ الإجابةُ واحدة، الاستشراق والمستشرقون، ولو شئت لقلت: والملحدون والعلمانيُّون (يُراجع في ذلك ما كتَبه كلٌّ مِن محمود شاكر، وأنور الجندي، ومحمَّد قطب).
إنَّنا نريد أن نؤكِّدَ أن التاريخ الإسلامي قد كُتِب من وجهة نظر صَليبية – مسيحيَّة – يهوديَّة، ذاك الثالوث الغرْبي المقدَّس، المغلَّف بغلاف الصِّهْيونية العالميَّة، أضِفْ إلى ذلك وجهةَ النظر الشيعيَّة التي ظهرتْ على الساحة الآن، وتطلُّ علينا بوجهها القبيح.
هذه النظرات مُغلَّفة بثوب مُزركَش يخطَف الأبصار، تلك النظرات التي أُطلِق عليها (نظرات علمية)، وهم صادقون لا شكَّ في ذلك، ولكنَّها نظراتٌ يَغلِب عليها الظنون والأهواء، والظنون عندَهم: “مُتردِّية برِداء براءة القصْد وخلوص النية، مُتحلِّية بجواهرِ الدقة والاستيعاب، والتمحيص والمهارة والحذق؛ حتى يُتاحَ لصاحبها أن يَقتنصَ غفلتَك، ويتلعَّب عندئذٍ بك وبعقلك ما شاءَ له التلعُّب، ويهول عليك تهويلَ السَّحَرة، فإذا أنت عندئذٍ مفتونٌ بالزينة المتبرِّجة”[4].
إنَّ من له أدْنى اهتمام بدِراسة السِّيرة، وقرأ بعضًا ممَّا كتبه هؤلاء المستشرِقون الناقمون شُذَّاذ الآفاق، لأدْرك أنَّ التاريخ كان غَرَضًا مهمًّا لسِهامهم، ونحن بالطبع لن نستفيضَ في الحديث عن ذلك، إنما نكتفي بمجرَّد إشارات عابرة؛ لندركَ جوهر القضية، ونُعاود التساؤلَ مرَّة أخرى، لماذا هجَر المسلمون سيرةَ نبيهم؟
فلم يَعُد المسلمُ يعرِف عن نبيِّه إلا القشور، وإنْ قلْنا: القشور، فإنَّ القشور في زماننا هذا كثيرة، والقُشور في ظنِّه تُغنيه، هكذا ظنَّ الجاهِلُ، بل لو شئتَ لقلت: لم يعد يعرف المسلِم – إلا مَن رحِم ربي – إلا موعدَ المولد حين تلتقط أُذنه أنَّ اليوم أو غدًا الاحتفال بمولد النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – ويَبقى السؤال: ولماذا نحتفل؟
الجواب: بدعوى أنَّه قد [كان] لنا رسولٌ؟ فتأمَّل هذا!
إنَّ تشويه التاريخ الإسلامي كان – وما زال – أهمَّ مُخطَّطات التبشير والاستشراق، فهما عُملةٌ واحدةٌ ذات وجهين؛ ولأنَّ التاريخ الإسلامي ليس كأيِّ تاريخ، فهو ليس مادَّةً للتثقيف كتاريخِ أوربا، فتاريخ أوربا من أجملِ المواد إثارةً وأكثرها شهِي، وهو مادَّة شائقة للثقافة العامَّة، بل وللتسلية، وإنْ شئت لقلت: وللمُتعة الوقتية كذلك.
أمَّا تاريخنا فليس كذلك؛ لأنَّ له صلةً وثيقةً، وجذورًا عميقةً بقضية المسلمين الأُولى والكُبرى، بل الأهم في حياتهم، ألاَ وهي قضية “لا إله إلا الله”.
قد تكون هذه الصِّلة بعيدةً عن أذهاننا، بل وربَّما كانتْ غائبةً تمامًا عن كثير من الناس؛ إذ هذا تاريخٌ، وهذه عقيدة، فأَنَّى يلتقيان؟!
فيجب أن نربطَ بين التاريخ الرِّسالي الذي هو تاريخُ العقيدة، وقِيَم التديُّن، والذي تُمثِّله تلك الكلمة المهيمنة “لا إله إلا الله”، وبيْن تطوُّر السلوك الجَماعي للقبيلة البشريَّة، حتى تنجابَ لنا تلك الصَّلة، وتتضح معانيها ومراميها.
هذا الفِكر الثاقِب، وهذا الربط العقدي الهامُّ الذي نريده مِن شباب الأمَّة، هو ما يحاول المستشرقون قطعَه وبترَه، وفصْلَه نهائيًّا عن حقيقة التدين، وقد كان، ولكي تدركَ حجمَ المِحنة تأمَّل تلك الإحصائية:
تُقدَّر الأبحاثُ والكتب التي كتَبَها المستشرقون عن الإسلام في الفترة من مطلع القرن التاسع عشر إلى منتصَف القرن العشرين، بنحو ستِّين ألف كتاب؛ فلِمَ كلُّ هذا الاهتمام؟ لِمَ كلُّ هذا العَناء؟ ستُّون ألف بحْث وكتاب، في تاريخِ الإسلام، وعقائده، ومذاهبه، وفِقهه، وسِيرة نبيِّه – صلَّى الله عليه وسلَّم – … إلخ: لِمَ كلُّ هذا؟!
يقول د/ عبدالعظيم الديب:
“إنَّ الاستشراقَ يَرْمي مِن وراء ذلك إلى غايتين:
أولاهما: حمايةُ الإنسان الغرْبي مِن أن يرَى نورَ الإسلام، فيؤمِن به، ويحمل رايتَه، ويُجاهِد في سبيله، كما كان مِن المسيحيِّين في الشام، ومصر، والشمال الإفريقي، وإسبانيا مِن قبلُ، حين دخَل الإسلام هذه الأصقاع، فدخَل أهلُها في دِين الله أفواجًا، وصاروا مِن دعاةِ هذا الدِّين الحنيف، وحُماته والمنافِحين عنه، (بل أعْجب مِن ذلك أيضًا أنْ دخلوا في العربية دُخولاً غريبًا، وصار لسانُهم لسانَها، بل أعجب مِن ذلك أيضًا، أنْ خرَج من أصلابهم كثرةٌ كاثِرة من العلماء الكبار، الذين يُجاهدون في سبيلِ الله بأموالهم وأنفسهم)، كانتْ هذه غايةَ الاستشراق منذُ نشأته، محاولة تبشيع صورةِ الإسلامِ وأهلِه؛ حتى لا يتتابعَ مَن بقِي من رعايا الكنيسة على الدخولِ في الإسلام، مثلما فعَل أضرابهم من أهلِ الشام ومصر، والشمال الإفريقي، والأندلس.
كان هذا الفَزَع يسوق حركةَ الاستشراق منذُ نشأته، ويُوجِّهه لتعبئة أتباع الكنيسة، ورعاياها، وتجييشِهم، ووضعِهم تحتَ السلاح دائمًا.
وثانيتهما: (الغاية الثانية للاستشراق): هي معرفةُ الشرق، ودراسته: أرضِه، ومياهِه وطقسِه، وجبالِه وأنهارِه، وزروعه وثماره، وأهله، ورجاله، وعِلْمه وعلمائه ودِينه، وعقائده، وعاداته، وتقاليده، ولُغاته و… و…؛ كل ذلك لكي يعرفَ كيف يَصِلُ إليه، فقد ظلَّتْ دار الإسلام مرهوبةً مخوفة، لم تستطعِ الصليبيةُ المقهورة أن تحاول – مجرَّد محاولة – اختراقَها لعِدَّة قرون، وكانتِ المناوشات، والاحتكاكات على الثغور والأطراف تُحسم دائمًا لصالِح الإسلام والمسلمين.
ولمَّا حاولتِ الصليبيَّة بجحافلها الغاشِمة اختراقَ دِيار الإسلام في مَطْلَع القرن السادس الهجري، رجعتْ بعدَ نحو قرنين (489 – 690هـ) من الزَّمان مقهورةً مدحورةًَ، ولأهمية التاريخ هذه، ولأثَرِه في الأمة، اتَّجه المستشرقون في أبحاثِهم إلى التاريخ، حتى جاءتْ مُعظم أعمالهم، سواء الأبحاث أمِ التحقيق والنشر، أم الترجمة، مُعْظَمها في مجالِ التاريخ، ونَعني التاريخَ بمعناه العام، التاريخ السياسي والتاريخ الحضاري، والاجتماعي، وتاريخ الفِرَق والمذاهب، والفِكر والفنِّ والعِلم، وتاريخ الرِّجال والطبقات، ومعاجِم البلدان.
وفي اهتمامِ المستشرقين بالتاريخ، وتوظيفِهم له، واعتمادِهم عليه لتحقيقِ مآربهم، اتَّخذوا مناهجَ وطرقًا تُؤدِّي بهم إلى ما يُريدون، ويمكن أن نَتبيَّن ملامحَ هذه المناهج إذا ميَّزْنا فيها بين جانبَيْن:
أ- المنهج من حيثُ الشكلُ الخارجي، ونعني بذلك: اختيارَ الموضوعات، وترتيبَ الاهتمام بها، وطريقةَ تناولها بصفة عامة.
ب- المنهج من حيثُ استكمالُ شروطه، والالتزام بقواعده”[5].
يقول المستشرق/ شاتلي:
“إذا أردتُم أن تغزوا الإسلام، وتخضدوا شوكتَه، وتقضوا على هذه العقيدةِ التي قضَتْ على كلِّ العقائدِ السابقة واللاحِقة لها، والتي كانتِ السببَ الأوَّل والرئيس لاعتزازِ المسلمين وشموخِهم، وسببَ سيادتهم وغزوهم للعالَم؛ فعَلَيْكم أن توجِّهوا جهودَ هدْمكم إلى نفوسِ الشباب المسلِم، والأمَّة المسلِمة، بإماتة رُوح الاعتزازِ بماضيهم، وكتابهم “القرآن”، وتحويلهم عن كلِّ ذلك بواسطةِ نشْر ثقافتِكم وتاريخكم، ونشْر رُوح الإباحيَّة، وتوفير عواملِ الهدم المعنوي”[6].
إنَّ المجتهد في سَبْر أغوار تاريخ هذه الأمَّة يُدرك أنَّ علوَّ التاريخ وهبوطَه، وارتفاعه وتدنيه، كان بسبب ارتباط الأمَّة بـ”لا إله إلا الله”، فما من علوٍّ وصلَتْ إليه الأمَّة إلا كان بتمسُّكها بـ”لا إله إلا الله”، وما مِن سفول وانحطاط مرَّتْ به الأمَّة إلا بسبب ضعْفها وعدم تمسُّكها بـ”لا إله إلا الله”، والواقع خيرُ دليل على ذلك، وإنْ كنا لا نحتاج إلى دليل، فهذا هو الفارقُ بين تاريخِ المسلمين وتاريخِ غيرِهم.
يقول ويد جري: واتِّجاه الإسلام من التاريخ اتِّجاهٌ يقوم على المذهب التحسُّني، فمتَى تزايد إقبالُ الأفراد والشعوب على الطاعةِ لإرادة الله تحسَّنتِ الأمور، ويتمسَّك المسلمون بأنَّهم فعلوا ذلك في الماضي، وسيُواصِلون فِعْله في المستقبل؛ وذلك لأنَّ الإسلامَ هو الذي سيفوز بالظَّفَر في النهاية، واللهُ يأمر بالعدل والقِسطاس، كما أنَّ التاريخ أوضَح فِعلاً أنَّ الظالمين لن يُفلِحوا في نهاية الأمر[7].
فهذا الكاتبُ (وهو صَليبي يفسِّر التاريخ مِن وجهة نظر صليبيَّة)، إلا أنَّه ربَط هنا عقيدةَ المسلمين بتاريخهم، وتلك هي الإشكاليةُ الغائبة التي لم يَفطنْ إليها كثيرٌ من أبناء المسلمين، بل علمائِهم – إلا مَن رَحِم ربُّك – فلا بدَّ ونحن نقرأ السيرة النَّبويَّة أن نستصحِبَ في أذهاننا هاتيك المعاني عن التاريخِ الإسلامي، وعن تاريخ الاستشراق.
فالذين شوَّهوا وبدَّلوا وحرَّفوا التاريخَ كان لسببِ تنفير وقتْل الاستعلاء والاعتزاز في نفْس المسلِم؛ لأنَّ المستشرق الماهِر على عِلم تام بقضية الاستعلاء عندَ المسلمين، فيجب علينا – والحالة تلك – أن يُقرأ التاريخ بهذا الحَذر؛ لكشفِ خبايا هؤلاء وعدمِ الاطمئنان العِلْمي لنتائجِهم التي يتوصَّلون إليها، حتَّى تُعرَض على ميزانِ الشَّرْع، وكذلك يجب أن تُقرأ السيرةُ النَّبويَّة بهذا الفَهْم الثاقِب والحيطة، كل ذلك دون أن نَخبطَ في كليهما (أي: السيرة والتاريخ) خبطَ عشواء، فلقدِ اعترى تاريخ الأمة الإسلامية كثيرٌ من الدسِّ والخلْط والتشويه، “وقدِ استُخدِم التاريخ في إبعادَ الدنيا عن دِين ربِّها، بل تفريق هذه الأمَّة بحضاراتٍ زائِفة بائدة عَفِنة، فرعونية وآشورية، وبابلية وفينيقية… صارتْ هي البديلَ عن إسلام الوجهِ لله تعالى؛ ﴿ إنَّ الدِّيِنَ عندَ اللَّهِ الإِسْلامُ ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85] [8].
إنَّ قتْلَ الأنفَة والعِزة عند المسلم، واستبدال المجون والخلاعة بها قضيةٌ شُغِلت بها أوربا حينًا من الدهر، حتى هداها الشيطانُ إلى فِكرة تشويه التاريخ، وبثِّ السموم في السِّيرة النَّبويَّة، وإظهار الصحابة في صورة مصَّاصي الدماء، وقدْ نجَحوا في ذلك غايةَ النجاح؛ يقول الشيخ محمد قطب: “إنَّنا نحتفي حفاوةً بالغة بذلك الجِيل الفريد، وبتلك القرون المفضَّلة؛ لأنَّها المدَدُ الحيُّ الذي يدفع الأجيالَ كلَّها إلى محاولة الصعود، بدلاً من أن تنتكسَ إلى أسفل، وتَخْلُد إلى الأرضِ عندَ السَّفْح، وربَّما كان هذا هو السببَ الذي يجعل المستشرقِين يُجهِدون أنفسَهم لمحاولة تشويه تلك الفترة بالذات؛ لعلَّهم يُطفئون بَرِيقها ويحجبون نورَها عن الأجيال المتأخِّرة؛ لكي لا تفكِّر أبدًا في معاودةِ الصعود من جديد”[9].
إنَّ تزييفَ وعي الأمة سبيلٌ مِن سُبل إبعادها عن دِين ربها، وهو أحيانًا يحدُث عن عمْد وسبْق إصرار وترصُّد، ومع فقدانِ البصيرة تزداد معالِمُ الغُرْبة، وقد أصبح التاريخُ والحديث عنه من أهمِّ أسباب هذا التزييف[10].
وإنَّك لتعجَبُ مِن عزيمة هؤلاء المستشرقين ومِن صبرهم وشِدَّة جَلدِهم لتعلُّمِ لُغة ليستْ لُغتَهم، ودراسة حضارة ليستْ حضارتَهم، دراسةً متأنية دون ملَل، وبلا تذمُّر أو ضيق، وهذا ممَّا يدعو للعجبِ والدهشة.
يقول العلامة محمود شاكر – رحمة الله تعالى -: “بيد أنَّ دوافع المستشرق إلى هذا الدخول الجريء المستبشع، وركوب هذا المركب الوعر، كانتْ ضرورةً تحمله على أن يخدم أبناءَ جِلدته وعشيرته وأهل مِلَّته؛ ليصورَ الثقافةَ العربية الإسلامية وحضارةَ العرَب والمسلمين بصورة مُقنِعة للقارئ الأوربي”، ويُقدِّمها بصورة مُشوَّهة “بأسلوب يدلُّ على أنَّ كاتبها قد خبَر ودرَس وبذَل كلَّ جهد في الاستقصاء، وأنه وصَل “إلى ما وصل إليه” بعد خِبْرة طويلة، وعرَق وجَهْد وإخلاص، وأنَّ ما يُقدِّمه للقارئ الأوربي هو اللبابُ المصفَّى من كل كدَر، والمُبرَّأ مِن كل زيف”[11]، ولكن هذا الجهد يَجْعَلُنا نؤكِّد عن ثقة ويقين أنَّ المستشرق ليستْ لديه أمانةٌ عِلمية في النقْل وتمحيصِ الروايات، وليستْ عنده موضوعية، ولا منهجية ذات أبعاد مُنضبطة، وإنَّما هو الهوى وأكاذيب عِلمية مزركشة، “فالمستشرق بعيدٌ كلَّ البُعد عن أن يعرِفَ الحقَّ معتمًا دامسًا، فكيف يعرِفه أبلجَ مستنيرًا؟!”[12].
وإنَّك لتعجَبُ مِن هذا المستشرق الوالِغ في تاريخ أمتنا، ومِن ذاك الناقِم، وذاك المتكذِّب العلماني، تعجَب لهؤلاء جميعًا كيف تجمَّعوا؟! وحين تعلم أنَّ الأهواء كانتْ سبيلَهم إلينا، ورغم ذلك اقتنعتْ أمَّة الإسلام بتلك الأهواء على أنَّها حقائق علمية، نعمْ هذا ما حدَث لعقولنا بالضبط؛ أَنَّا قد فُتِنَّا بتلك الأهواء، وليس معنى أنهم: “لَبِسوا مسوحَ العلم، وتظاهروا بالموضوعية والنزاهة العِلمية: أن يخدعَنا ذلك عن حقيقتهم؛ لكون أنَّ لهم هدفًا واضحًا، هو قتْلُ رُوح الاعتزاز بالإسلام والتاريخ الإسلامي”[13].
ولنا الحقُّ – لكي نَفْهم أغراضَ هؤلاء – أنْ نَسألَ هذا السؤال: كيف نشأتْ حركةُ الاستشراق (العلمية) التي هي في أصْلِها الراسخ ليستْ علمية؟
لقدْ بدأتْ أول ما بدأتْ في الكَنيسة الكاثوليكيَّة، وخضعَتْ لإشراف منظَّم مِن كبار أحبارِها ورُهبانها[14].
إنَّ تاريخ المسلمين يحتاجُ إلى كتابةٍ جديدة، وذلك بأخْذه مِن ينابيعه الصافية، لا سيَّما في المواطن التي شوَّهها أهلُ الذِّمم الخرِبة مِن ملفِّقي الأخبار، علمًا بأنَّ أمَّتنا الإسلامية هي أغْنَى الأمم بمادَّة تاريخها الذي حفظتْه بالأسانيد الثابتة… فعندَ قراءة التاريخ لا بدَّ إذًا أن نقرأه بتمحيص[15].
لقدْ جاءَ أولئك المستشرِقون إلينا بتِلك الأهواء فصدَّقْناهم رغم أنَّ هذه الأهواء هي: “الدَّاء المبير، والشر المستطير، والفساد الأكبر، إنْ هو ألَمَّ بأي عمل إلمامةً خفية الدبيب، بَلْهَ الوطء المتثاقِل، أحالَه إلى عمل مستقذَر منبوذ كريه، حتى ولو جاءَك هذا العمل في أحسن ثيابه وحليه وعطوره، وأتمِّها زِينةً، مِن دقَّة واستيعاب وتمحيص، ومهارة وحذق وذكاء، ثم يَزداد بشاعةً إذا كان الكاتبُ ملمًّا تمامَ الإلمام بأسرار اللُّغة وأسرار الثقافة؛ لأنَّه حينئذٍ منافقٌ خبيث النِّفاق، وخائن لئيم الخِيانة”[16]
فهذا هو عملُ الاستشراق والمستشرقين، وهؤلاء هم أصحابُه الذين جعلوا مِن التاريخ مجرَّدَ أخبار، والحقُّ أنَّ التاريخ هو محور الحياة؛ لذلك حوَّلوه إلى قصص ٍتُحكَى، وإلى مجرَّد تسجيل للوقائِع والأحداث، وليس هذا هو التاريخَ، وإنما التاريخ “يُدرَس للعِبرة ويُدرس للتربية، تربية الأجيال”، فنَزعوا منه أهمَّ خصائصه، وجعلوا الأُمَّة تدور في فَلك الشكِّ، ومنه إلى الإلحاد والزندقة، “وكل أمَّة مِن أُمم الأرض تعتبر درسَ التاريخ من دروس التربية للأمَّة، فتصوغه بحيث يؤدِّي مهمة تربوية في حياتها، أمَّا كِتاباتنا نحن في عصرنا الحديث هذا، فكثيرٌ منها كأنَّه غافل عن هذه المهمَّة الضخْمة؛ لأنَّه مكُتوب على يدِ قومٍ قلوبُهم موجَّهة إلى خارج ذواتهم بفِعل التبعية، وفِعل الغزو الفكري، أو موجَّهة إلى ذواتهم، ولكن بميول منحرِفة هي ذاتها مِن فِعْل الغزو الفكري – كالوطنية والقومية، والعلمانية والاشتراكية والمادية”[17].
وهذا مقصودٌ لا ريبَ فيه؛ لأنَّهم علِموا أنَّ: “دراسة التاريخ هي التي تُحدِّد أسبابَ تقدُّمِ الأمة وتُقدم أسباب الانتكاسة الضخْمة التي وقعتْ فيها الأمَّة في عصرها الأخير، ونتعرَّف في الوقتِ ذاته على طريقِ الخَلاص”[18].
إنَّ هذه الأُمَّةَ ليستْ مجرد أمَّة على هامش الحياة، قابعة في رُكْن ضيِّق من أركان الأرض، ولا هي محدودة الأثَر في مجرَى التاريخ البشري، ولا هي أمَّة في أصولها العريقة تعيش على فُتاتِ الأُمم – كما هو الحال الآن.
يقول آلبان ويد جري: “على أنَّ لكل شعب دَورَه الخاص في التاريخ[19]، فما هو الدَّوْر المنوط بتلك الأمَّة التي هي آخِر الأُمم؟ يقول شيخُنا العلاَّمة إبراهيم شاهين – حفظه الله ونفَع به -: “ليس لهذه الأمَّة دَورٌ في الحياة إلا إخراج الناس مِن وَهْدَةِ الظلام إلى ضِياء الحقِّ، والحقُّ هو الإسلام”[20].
وبعيدًا عن طغيان القَلم وحِدَّة الجدل نقول: إنَّ دراستنا للتاريخ الإسلامي هي جزءٌ مِن واجبنا للتعرُّفِ على حقيقةِ هذا الدِّين، وسِرِّ قوَّته، ولقد توصَّل أعداؤنا إلى معرفةِ تلك الحقيقة، وساروا على يقين أنَّ سرَّ قوة الحضارة الإسلامية هو العِلم، علم الدُّنيا وعلم الآخِرة يسيران معًا جنبًا إلى جنب، وعَلِموا أنَّ هذا العلم يختلف عن أيِّ عِلم، فأصْلُه معرفة الله وتوحيده، ومعرفة رسوله – صلَّى الله عليه وسلَّم – ومعرفة الطريق الموصِّل إلى الله، هذا هو أصلُ علوم المسلمين، هذا الأصْل الذي لن تجدَه في أيِّ أُمَّة غيرهم، فلا فلسفة اليونان، ولا آداب فارس، ولا جدَل بيزنطة يرتكِن إلى أصول دِينيَّة سماوية، ولا إلى جذور شرعيَّة تحميه من السقوط والتدنِّي.
فلمَّا كانتْ معرفة الله عندَ المسلمين مسألةً بديهيَّة يصعُب اختراقها؛ إذ لا تجد مسلمًا يقول كما يقول النَّصارى: إنَّ الله صاحِبُ سهم في شركة ثلاثية، أو كما يزعم اليهودُ أنَّ الله تعتريه نوباتُ ندَم – تعالى الله عمَّا يقولون.
إذًا؛ فهذا طريقٌ مسدود، ولكن يبقَى أمامَهم طريقان مفتوحان: طريق الرسول، وطريق المعرفة، فالرسول محمَّد – صلَّى الله عليه وسلَّم – في عقيدةِ المسلمين بشَرٌ، وليس إلهًا، ولا نصفَ إله، ولا ابنَ إله، والبشر يُخطئ ويصيب، والمعرفة عندَهم يسهُل تزويرها وتغييرُها، بل وطمسها، فنفذوا للمسلمين مِن هذين الطريقين، ونجَحوا غايةَ النجاح في إفساد عِلم المسلمين وتشويهه، ونجَحوا في جعْل الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – في حسِّ الرويبضة ومن على شاكلتِهم رجلاً مِن العرَب عاش بما تُمليه عليه بيئتُه، وقد تغيَّرتِ البيئة، فلتتغيرْ تلك المبادئ البدوية تبعًا لتغيير البيئة [فليتنبه لذلك].
إنَّ عملية تصويب التاريخ الإسلامي إنَّما تبدأ مِن: “استصحاب المعيار الإسلامي الصحيح في أثناءِ استعراض المسيرة التاريخيَّة للأمَّة الإسلامية بكلِّ ما حوتْه مِن استقامة وانحراف، وجعْل الصورة الإسلاميَّة حيةً في النفوس؛ مِن أجْل العملِ على تحويلها إلى واقعٍ مشهود”[21].
فالتاريخُ الإسلامي هو حِصْن المسلِم الذي يَحْتمي به، فإذا دخَلَه كان آمنًا؛ آمنًا من شكِّ الحائرين، وزيفِ الضالين المضلِّين، ولكن لا يعْني هذا أبدًا أن نتساهَل فيه، بل لا بدَّ أن نتثبَّتَ، وأن نعرِف كيف نأخذ تاريخنَا ومِن أين؟
لاَ تَقْبَلَنَّ مِنَ التَّوَارِخِ كُلَّ مَا
جَمَعَ الرُّوَاةُ وَخَطَّ كُلُّ بَنَانِ
إنَّ التاريخ الرِّسالي الإسلامي هو الكيان لهذه الأمَّة، وهو السياج الذي يحيط بها، ويحميها ويمنعها من التسفُّل والسقوط؛ لأنَّ التاريخَ الإسلامي بكلِّ ما يَحْمِله من عِزَّة وفخار، لا تجده في غير هذه الأمَّة، وهذه حقيقةٌ لا شكَّ فيها؛ لأنَّ التاريخ الإسلامي (ونقصد به التاريخ الرِّسالي) قضية مرتبطة بقضية الإسلام الكُبْرى، قضية “لا إله إلا الله”.
وقدْ عَلِم المستشرقون هذه الحقيقةَ، فعملوا كلَّ ما في وُسْعهم لتشويهِ حقائقِ التاريخ، ولتفريغِ الأجيال المسلِمة تفريغًا كاملاً “مِن ماضيها المتدفِّق في دِمائها مرتبطًا بالعربية والإسلام”[22]، ولتزييفِ كلِّ ما يمتُّ إلى التاريخ الحقيقي بصِلة، خاصَّة سِيرةَ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – “لأنَّ السِّيرة النَّبويَّة هي قاعدةُ التاريخ الإسلامي، ودِراستها وتفهُّمها وتحقيق أحداثِها، وضبط تواريخها، بدايةٌ سليمة لدِراستنا للتاريخ الإسلامي”[23].
إنَّ أشدَّ ما يخشاه أعداؤنا ” مِن هذا الدِّين هو رُوحُ الجِهاد الكامنة فيه”؛ ولذلك استخدموا كلَّ وسائل التشويه “لدرءِ الخطر من كلِّ مكامن الخطر، فتاريخُ الإسلام مصدر خطر، فلتشوَّه حقائقُه، وليُكْتَب بصورة تطمس أضواءَه”[24]، ولتظهر الصفحاتُ السُّودُ؛ صفحات الخِلاف وتاريخ الحروب والفتن، وإبرازها وجعْلها محورَ الأحداث، ثم جعْلها هي تاريخ الإسلام كله، ولتصبح العلامةُ البارزة في هذا التاريخ أنَّه تاريخُ الصِّراعات والفِتن[25]، وبذلك نجَح المستشرقون في دعواهم أنَّ الإسلام تراثٌ تاريخي قدِ انتهتْ مهمَّتُه، وأصبح في ذِمَّة التاريخ، فكانتِ النتيجة – تبعًا لاعتقادنا في التاريخ – تلك السلبية الواضِحة واللامبالاة حين يُذكَر التاريخُ بصِفة عامَّة، والسِّيرة النَّبويَّة بصِفة خاصَّة، فكان هذا التفريغُ الهائل الذي أُصِبْنا به جميعًا.
لا بدَّ إذًا مِن معاودة النظر في كلِّ ما كُتِب؛ لأنَّ أكثر مواطن التشويه والتزييف والتضليل تجدُها في كتابة التاريخ الإسلامي، في حين تجد تاريخ أوربا – المعلَن لنا على الأقل – تاريخًا ناصعًا، كلُّه حريَّة وعدْل ومساواة.
إنَّ هذا المجدَ – الذي أراد المستشرقون هدمَه، واتبعهم في ذلك رُويبضةُ العِلم من المسلمين، فكانوا عونًا لأسيادِهم، فصاروا إمَّعاتٍ أتباعَ كلِّ ناعق – لن يزول؛ لأنَّ الله مِن ورائهم محيط.
إنَّ الحركةَ الاستشراقية ما زالتْ تعمل باجتهاد، وما زال الاستشراقُ يربأ إلى تاريخِ المسلمين، فإذا رأى موضع عِزَّة حذَفها[26]، وإذا رأى يقظةً وأَدَها، يُساعِده على ذلك التدميرِ والاستدمار، أولئك التلامذةُ المدجنين الذين تسمَّوا بالمستغربين؛ فهُم مِن جِلْدتنا، ويتكلَّمون لُغتَنا، ويَدينون بدِيننا؛ ولكنَّهم ألِفوا القبيحَ واستحسنوه، وإنَّ “إلْفَ القبيح مَتلفةٌ للإحساس والعقل جميعًا”[27]، وهذا الصِّنف لا يهمُّهم شرفُ الأمَّة، ولا مجْدُ الدِّين، ولا عزَّة المسلمين وفخرُهم، والذين درسوا التاريخ الإسلامي مِن هذه الزاوية الاستشراقية قد تمَّ تفريغُهم دِينيًّا وثقافيًّا، وتوهَّموا أنَّ نفوسهم قد: “نالت شيئًا يُذكَر، والحقيقة أنها نالت غذاءً تعيش به موتَى في صور أحياء لا غير”[28].
يقول العلاَّمة أحمد بن محمد شاكر – رحمه الله وأحسنَ إليه – عن هؤلاء المدجنين:
“وليعلمْ مَن يريد أن يعلم… مِن رجل استولَى المبشِّرون على عقله وقلْبه، فلا يَرى إلا بأعينهم، ولا يَسْمَع إلا بآذانهم، ولا يَهتدي إلا بهَدْيهم، ولا ينظر إلا على ضوءِ نارهم يَحْسَبها نورًا، ثم هو قد سَمَّاه أبواه باسمٍ إسلاميٍّ، وقد عُدَّ من المسلمين – أو عليهم – في دفاتر المواليد وفي سِجلاَّت الإحصاء، فيأبى إلا أن يُدافِع عن هذا الإسلام الذي أُلبِسَه جنسية، ولم يعتقدْه دينًا، فتراه يتأوَّل القرآن ليخضعَه لما تعلَّم مِن أَساتذتِه، ولا يرضى مِن الأحاديث حديثًا يخالف آراءَهم وقواعدَهم، يخشَى أن تكون حجَّتُهم على الإسلام قائمة؛ إذ هو لا يَفْقَه منه شيئًا.
أو مِن رَجل مثل سابقه، إلا أنَّه أراح نفسَه فاعتنق ما نَفَثُوه في رُوعِه من دِينٍ وعقيدة، ثم هو يأبى أن يَعرِف الإسلام دينًا أو يَعترِف به، إلا في بعضِ شأنه، في التسمِّي بأسماء المسلمين، وفي شيء مِن الأنكحة والمواريث ودفْن الموتى.
أو مِن رجل مسلم عُلِّمَ في مدارس منسوبة للمسلِمين، فعرَف من أنواع العلوم كثيرًا، ولكنَّه لم يَعرِفْ من دِينه إلا نَزْرًا أو قشورًا، ثم خدعتْه مَدنِيةُ الإفرنج وعلومُهم عن نفسه، فظنَّهم بلغوا الكمال والفضل، وفي نظرياتِ العلوم اليقينَ والبداهة، ثم استخَفَّه الغرور، فزَعم لنفسه أنه أعْرَف بهذا الدِّين وأعلم من علمائه وحَفَظته وخُلصائه، فذَهَب يضرِب في الدين يمينًا وشمالاً، يرجو أن يُنقِذَه من جمود رجال الدِّين! وأن يُصفِّيَه من أوهام رِجال الدين!
أو مِن رجلٍ كشَف عن دخيلةِ نفْسِه، وأعْلَن إلحاده في هذا الدِّين وعداوته، ممَّن قال فيهم القائل: كفروا بالله تقليدًا.
أو مِن رجل ممَّن ابتُليت بهم الأُمَّة المصرية في هذا العصر، ممَّن يُسمِّيهم أخونا النابِغة الأديب الكبير كامل كيلاني – المجدِّدينات .. أو مِن رجل، أو مِن رجل”[29].
ويقول د/ محمد الصادق عرجون:
“وكان في أغمارِ المسلمين سَمَّاعون لهم (أي: للمستشرقين)، عُبَّاد لصنم جُحودِهم، فرَكعوا سُجَّدًا بين أيديهم، وسجَدوا أذلَّةً تحت أقدامهم؛ تباهيًا بالعصرية، وتفاخرًا بالتجديد، وتظاهرًا بحريةِ التفكير، وتكلََّموا بلسانِ معبودهم، وكتَبوا بقلمِه، وترنَّموا بنَغَمِه، ورقَص على توقيعهم أتباعُ كلِّ ناعق من ذوي الغرارة والجهالة، وفُتِن بهم ذوو الثقافة الفجَّة والمعْرِفة الضَّحْلة، وتشابهتْ قلوبُهم، وتواءمتْ أفكارُهم، وأعرَضوا عن بيَّنات التاريخ، وراحوا يَحْفِرون بأظافر عقولهم الحاقِدة في أرض الأكاذيب؛ ليتصيَّدوا مِن غثاء الرِّوايات والأقاصيص ما يُرضِي أحقادَهم، وتشبَّثوا بكلِّ ما يخدش وجهَ الحقيقة التاريخيَّة زُورًا وبُهتانًا، وتأوَّلوا بأهوائهم وسوءِ مقاصدِهم أحداثًا كانتْ في السيرة المطهَّرة عنواناتٍ على السموَّ والشَّرَف والفَضْل والنبل، فقلَبوا حقائقَها، وغيَّروا معالمها، وفَرْطحوا أديمها، وأبْدَوا فيها وأعادوا، وآمنتْ منهم طائفة، وكفرتْ طائفة، غير أنَّ المؤمنين منهم لم يستطيعوا التحرُّرَ الكامل مِن عبودية التلمذة للمستشرقين والمستغربين مِن أعداء الإسلام، ولكنَّهم وقفوا يتنازعون الإيمانَ القاهر بالحقيقةِ الكُبرى ممثَّلَة في جوهرِ الأحداث والوقائع التي كانتْ عناصرَ الحياة في الواقِع التاريخي لهذه السِّيرة الطاهِرة المطهَّرة، وتنازعتْهم الرغبةُ الملحَّة في التظاهُرِ بالتجديدِ والعصرَّية وحرَّية التفكير، وتنازعَهُم القصدُ إلى مقاربة المنهج الاستشراقي في رفْض كلِّ ما يتعارض مع رغائبهم مِن رِوايات التاريخ وأحداثه، وتَصيُّد كلِّ ما يوافق أهواءَهم، أو يشيد نظرياتِهم في توهين شأن الأحداث مِن هذه الرِّاويات، ولو كانتُ مغرقةً في حمأة الأباطيل، على ما هو دأبهم في تدوين وفَهْم الأحداث التي تضمَّنها مراجعُ التاريخ للسيرة النَّبويَّة المشرَّفة.
ولكنَّ هؤلاء المقهورين بالإيمان استطاعوا أن يُرضُوا إيمانَهم بمزيدٍ من التحمُّس الإنشائي في أسلوبٍ بالغِ الرَّوعة البيانية، بَيْدَ أنَّ ذلك لم يَعصمْهم من تيَّار التشكيك، بل التكذيب لِمَا لم يَفْهموا من حقائقِ الأحداث في إطارها من النظام الكوني التي وقعت متلبّسة به، وفي كثيرٍ من وقائعِ الإعجازِ تشبَّثوا بمألوفِ العقول وقضايا العِلم وسُنَن الكون العامَّة، وفي كثيرٍ من الأحداث الاجتماعيَّة داروا وداوروا، ولفُّوا حولَ أنفسهم يُغَمْغِمون بالكلماتِ، ويُجَمْجِمون بالهمسات، ينظرون مِن طَرْفٍ خفيٍّ إلى أساتذتهم وهم يغمزون بلذعاتِ الحِقْد الأسود أديم السِّيرة المطهَّرة؛ توهمًا منهم أن يَنالوا من الشمسِ في عليائها؛ ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 32][30].
ويقول الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي:
إنَّ جُلَّ أبنائنا الذين التقطتهم أوربا لتُعلِّمهم عكَسوا آيةَ فرعون مع موسى؛ ففرعون التقَطَ موسى لينفعَه، ويتخذَه ولدًا، وربَّاه صغيرًا وأحسنَ إليه، فكان موسى له عدُّوًا وحَزَنًَا وسخنة عيْن.
أمَّا أبناؤنا فقدِ التقطتْهم أوربا وعلَّمتْهم وربتْهم فكانوا عدوًّا لدِينهم، وحزنًا لأهله، وسخنة عينٍ لأهليهم وأوطانهم، إلا قليلاً منهم دخَل النار فما احترَق، وغشِيَ اللُّجَّ فأَمِن الغَرَق.
والسبب في هذا البلاء هو استعدادٌ فينا كاستعدادِ المريض للموت، وشعورٌ بالنقص في أنفسنا؛ لبُعدِ عهدنا بالعِزَّة والكرامة، ولموتِ أشياء فينا تُصاحِب موتَها في العادة يقظةُ أشياء؛ فَفَقْدُ الإحساس بالواجب تَصْحَبه يقظةُ الشهوات الجسديَّة، وقوة الإحساس بالواجِب هي التي أمْلَتْ على بعضِ خلفائنا أن يعتزلَ النِّساء كلَّما هَمَّ بالغزو[31]، وهي التي حَمَلتْ كثيرًا من قضاة سلفِنا على أن يقمعوا شهواتِهم الجسدية بالحلال قبلَ أن يَجْلِسوا للخصومِ في مجالس الحُكم.
وموت النخوة تَصْحَبه سرعةُ التقليد، وعادة الخضوع للغالِب، وسُرعة التحلُّل والذوبان.
إنَّ الغرْبَ لا يُعطينا إلاَّ جزءًا ممَّا يأخذ منَّا، ولا يُعطينا إلاَّ ما يعود علينا بالوَبال، وقد أَعَنَّاه على أنفسِنا، فأصبَح المهاجِرُ منَّا إلى العِلم يذهب بعقلِه الشرقي فينبذه هناك، كأنَّه عقالٌ على رأسه، لا عقلٌ في دِماغه، ثم يأتينا يومَ يأتي بعقلٍ غربي، ومنهم مَن يأتي بعقل غربي، ومعه امرأةٌ تَحْرُسُه أن يَزيغ”[32].
إنَّ الأمرَ جِدُّ خطير؛ ولذلك لم تأتِ كتابة تلك الإشكالية مجرَّد تنبيهٍ فقط، ولا دعوى طيبة لقراءة السِّيرة وحسبُ، أو لإعادة النظر في تأمل صفحات التاريخ بعيون مُسلِمة وقلوب مؤمِنة وكفى بها نِعمةً، كلاَّ؛ بل الدعوة تشمَل الوقوفَ عند كلِّ حدَث غير مجرى التاريخ؛ لنعلمَ كيف تلاعَب هؤلاء الخونةُ وأولئك الرويبضة بتاريخ أمَّة الإسلام، ولماذا كان التاريخ بالذات مَرْمًى لسهامِهم؟
يقول آلبان ويد جري:
ففي التاريخ يوجَدُ الألَم الذي يهدفُ إلى تقويةِ الخُلُق وتحويل وجوهِ الناس نحو الله[33].
هذه الجملةُ باختصارٍ توضِّح لنا نحن – معشرَ المسلمين – القيمةَ العُليا للتاريخ، فكلُّ ألَم مرَّ بالمسلمين خلالَ التاريخ مرجعُه للمعصية، ومخالفة هدْي النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – وليستْ هناك أمَّة تُحوِّل وجهها إلى الله في اليُسر والعسر إلا هذه الأمَّة، فهل وضَحَتْ في أذهاننا فكرةُ الهدف مِن تشويه التاريخ الإسلامي؟
إنَّ في تاريخ المسلمين مواطنَ العِزَّة والشَّرَف والسُّؤدد والمجْد؛ تلحَظ ذلك في سِيرة خير النبيِّين وفي غزواته – صلَّى الله عليه وسلَّم – التي تُعدُّ الرصيدَ الأوحد الهائل للفَخار والرِّفْعة، فالغزوات عندنا تَعْني الجهاد، لا سفكَ الدماء بلا مبرِّر، والجهاد معناه إيثارُ الله على النفس والمال والزوجة والولد، إذًا فلتقتلْ هذه الرُّوح، ولتشوَّه تلك الغزوات.
وقد وقَع في قلوبِ بعض المسلمين بعضٌ من تلك الشُّبهات وآمَن بها الرويبضة الذين خرَجوا علينا من جحورِ الضب، فهي غزوات سلْب ونهْب، أو هي في اصطلاح القوم – تهذيبًا – غزوات اقتصاديَّة، وأخرى ثقافيَّة، وأخرى سياسيَّة، خاصَّة تلك التي كانتْ مع اليهود شذَّاذ الآفاق، وهكذا كانتْ غزوات الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – في حسِّ أولئك.
فهذا هو التاريخ عندَ أهل الاستشراق الذي كُتِب بالزيف والضلال والأهواء، ولكنَّها أهواء علميَّة عليها مَسْحَة مِن خجَل العِلم تُسمَّى بالمنهجيَّة والموضوعيَّة.
إنَّ بديهيَّة الفِطرة في الإنسان تقْضِي بأنَّ الأهواء مرفوضةٌ في كلِّ عمل يستحقُّ أن يُوصَف بأنه عملٌ شريف، أو عمل علمي، والاستشراق مِن فرْع رأسِه إلى أخْمُصِ قدميه غارقٌ في الأهواء، والثقافة الأوربيَّة والحضارة الأوربيَّة تستقبل الأهواءَ بلا نكيرٍ ولا أَنَفة، بل هي تسوِّغ استعمالَ رذيلة الأهواء؛ لأنَّها حضارةٌ قائمة على المنفَعَة والسَّلْب، ونهب الأُمم[34].
ونُريد ها هنا أن نؤكِّد على أنَّ مسألة عدم ربْط التاريخ بالتديُّن، والتي يعتبرها البعضُ مسألةً هامشيَّة لا تؤثِّر في مجرى الأحداث، بل ولا قِيمة لها، هي في الواقِع من أهمِّ مسائلِ الدِّين والتاريخ معًا[35]، فارتباطُ التاريخ بالتديُّن أو بواقعِ التديُّن على الأرض هو ببساطة تاريخُ الإنسان وارتباطه الأزلِي بالله؛ إذ لا يُتصوَّر عقلاً أنَّ الإنسان بدأ بلا تاريخٍ، وبدأ حياته الأولى بلا دِين.
يقول هرمان لوتزه:
لا يزال التاريخُ يبدو لأعيننا مِثلَما بدَا للعُصور جميعًا، في صورة درْب يوصل بين بدايةٍ مجهولةٍ ونهايةٍ مجهولة، هذه العقيدة اللاهوتية تُمثِّل النظرية العامَّة للحياة عندَ القوم، وهي نظرةُ ضلالٍ وكُفْرٍ وإلحاد، وهذا بخلاف عقيدتنا – نحن المسلمين – فالتاريخ في حسِّ المسلِم، وفي وجدانه يختلف اختلافًا جِذريًّا عن غيره؛ لأنَّ بدايتَه معلومةٌ، ونهايته معلومة.
يقول آلبان ويد جري: يتوقَّف كلُّ تفسير للكون وللتاريخ على إيمانِ المرء بالله أو عدمِ إيمانه[36]؛ فتأمَّل.
ويقول العلاَّمة أنور الجندي – رحمه الله -:
كان مِن أبرز معالِم التحوُّلِ إلى الأصالة الذي أحدثَتْه حركةُ اليَقظة الإسلامية، العودةُ إلى فَهْم التاريخ فهمًا صحيحًا بوصفِه تاريخَ أُمَّة لها عقيدة وقِيم، ونظام اجتماعي جامِع، وأنَّ أي إقليم سواء كان عربيًّا أم مِن الفُرْس أو التُّرك أو الهند أو غيرها، لا يستطيع أن يَستقيمَ بنفسه كأنَّه كيانٌ خاصٌّ له وجوده المنفصِل المستقل[37].
لقد كرَّر العلماءُ التأكيدَ على أثرِ الدِّين في التاريخ، فدَفَعوا بأنَّ الإنسان على كر عصور التاريخ كانتْ له دِيانة، ولا يتصوَّر عهدٌ مِن العهود قد خلاَ نهائيًّا من الدِّين، فمن الضروري إذًا مشاهدةُ تطور التاريخ ككلٍّ (بخلاف من يقول بتطور العقائد – فتنبَّه)؛ لأنَّنا لا نستطيع التحدُّثَ عن التاريخ – خاصَّة التاريخَ الرِّسالي – إلا بمقدار ما هو ضروري؛ ولذلك كان المقتضَى الحضاري في التاريخ هو قِيام الأمَّة المسلِمة بعبءِ نشْر “لا إله إلا الله”، فالتاريخ العامُّ لم يكن قطُّ ذا نزْعة فردية يدور حولَ شخصيَّة واحِدة، أو شعْب واحِد مِن شعوب الأرض – كما ظنَّ بنو إسرائيل – وليس دراسةً بشريةً بعيدةً عن الدِّين، أو دِراسة داخِلة في الإله كما تتصوَّر فِرَق النصارى، ولا يحوم حولَ العبرانية كما يتوهَّم اليهود، إنَّما التاريخ كما أراد ربُّنا – جلَّ جلالُه – للعِظَة والعِبرة؛ ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137].
إنَّنا لا نُريد اتِّساعَ الفجوة أكثرَ وأكبرَ مِن ذلك، فيصعُب علينا رأبُ الصَّدْع ورتْقُ الخرْق، ورغم أنَّ الواقع يقول: إنَّ الفجوة تزداد اتِّساعًا، لكن ذلك لا يجعلنا نتشاءَم أو نتخاذل، إنَّما علينا الإخلاص في القوْل والعمل، والجِد في السَّيْر؛ لنصلَ إلى الحقيقة العُظمى حقيقة أنَّ لنا نبيًّا نهتدي بهُداه.
إنَّنا أحوجُ ما نكون إلى دروسِ التربية النَّبويَّة، نستذكرها ونستخرج منها العِبرةَ المفيدة والحِكمة النافِعة، ونجعلها مَعينًا نرجع إليه كلَّما كانتْ بنا حاجةٌ إلى القُدوة والأُسوة[38]، ولنقرأ السِّيرة في أصولها الأولى بتدبُّر، فستتجلَّى لنا في ظروفنا هذه عن نورٍ جديد، وسنعرِف محمدًا – صلوات الله وسلامه عليه – في ضوء باهِر لم يسعد به أولئك الذين قرؤوا سيرتَه في كتب بعضِ المتأخِّرين، وسنجد فيها هَديًا وسراجًا منيرًا جديدًا، يُعيننا على السَّيْر في طريقنا اليوم وغدًا، ولكن هذا يقتضي منَّا أن نفهمَ السِّيرة فهمًا جديدًا[39]؛ لأنَّ الإنسانَ العربي المسلِم على وجه الخصوص، تُلازمه هذه الرِّسالةُ على مدَى التاريخ، ودوره في الأمْر رئيسٌ ومحوريٌّ، وليس هامشيًّا[40].
إنَّ الدعوة إلى إعادةِ كِتابة التاريخ الإسلامي في صِيغة جديدة، وكذلك السِّيرة النَّبويَّة، تحتاج إلى صِدْق القول، وإخلاص العمل؛ ليتجلَّى للعالَم عظمةُ النبيِّ محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم؛ “لأنَّ السيرة النَّبويَّة كلها حركةٌ دِينيَّة، فلا بدَّ للمشاركة في كتابتها مِن فيض عاطفة أو نظَر حكمي، أو استخراج حكمي”[41].
الثقافة:
هي رُوح الأمَّة وعنوان هُويَّتِها، وهي مِن الركائز الأساسية في بناءِ الأُمم ونهوضها، فلكلِّ أمَّة ثقافةٌ تستمدُّ منها عناصرها ومقوماتها وخصائصها، وتصطبغ بصِبغتها، فتنسب إليها، وكل مجتمع له ثقافتُه التي يتَّسِم بها، ولكلِّ ثقافةٍ مميزاتها وخصائصها التي تتفرَّد وتَنفرِدُ بها عن غيرها.
والثقافة كلمةٌ عريقةٌ في اللُّغة العربية أصلاً، فهي تعني صقلَ النفس، والمنطق، والفَطانة.
وفي القاموس المحيط:
ثقف ثقفًا وثقافة: صار حاذِقًا خفيفًا فطنًا، وثقَّفه تثقيفًا: سوَّاه، وهي تَعْني: تثقيف الرُّمْح؛ أي: تسويته وتقويمه.
وأصلها:
تقويمُ اعوجاج الرمح ليستويَ ويعتدل، وذلك باستخدامِ أداةٍ مِن خشب أو حديد؛ (أي: إنَّ هناك مادةً طبيعيَّة موجودة مُسبقًا، والثقافةُ تطويعٌ لها؛ ليكون في الإمكان استخدامُها الاستخدامَ الأمْثَل).
والثقافة اصطلاحًا هي: أسلوبُ الحياة إجمالاً؛ أي: هي النِّظام الاجتماعي، وما له مِن معتقدات وعادات.
يُعبِّر أخونا الشيخ أبو بصير الدمياطي شريف بن ناجح محمَّد عن المضمونِ الواقعي للثقافة بقوله: إنَّه يعني الشمولَ العامَّ لمعنَى كلمة “الثقافة”.
وتَعني أيضًا المعاصرة، وتأثُّر أساليبِ حياة الأمَّة بمعطيات الواقِع والتاريخ والفِكر تأثرًا تراكميًّا؛ أي: إنَّه خاضعٌ لكلِّ مؤثِّر يُوجد في أيِّ عصر من العصور، حتى تتغيَّر ثقافةُ الأمَّة الواحدة مِن جيل إلى جيل، فيظن مَن يدرُس ثقافةَ عصره وثقافةَ العصور السابقة للأمم أنَّه حصَّل معرفةً هامة يتشدَّق بها، وتغيُّر هذه الثقافة بتغيُّرِ العصور معناه: أنَّها ليستْ في ذاتها قِيمةً، وليستْ حقًّا أصيلاً وفاعلاً؛ ولذا كان الدِّين الحقُّ هو الذي يُعطي للثقافةِ القيمةَ الذاتية لها، فليستْ ثقافة الإسلام الزخرفيَّة، أو أساليب الشعوب المعتنِقة له في الاجتماع والفنِّ والتقاليد، هي القيمةَ والحقَّ الأصيل، وإنَّما تَستمِدُّ الثقافة قيمتَها من فترة زمنية لم تخضعْ لمؤثِّرات الزمن والعصر، ولم تأخذْ طبيعتها من التأثُّر بمخالطةِ الشعوب، ولم تنفعلْ بذلك، بل هي مؤثِّرة مغيِّرة مستمِدَّة طبيعتَها من وحي الله وفعله، وتلك هي السِّيرة النَّبويَّة؛ ولذلك كان ضربُ السيرة هو ضربَ التاريخ الإسلامي وتفريغه مِن مضمونه الحقيقي الفاعِل والمؤثِّر، الذي يحيي أطوارَ التاريخ طَوْرًا بعدَ طَوْر، وهذا هو سرُّ اهتمام الأعداء بالسِّيرة التي حاولوا جعلَها كغيرها، فترةً زمنية بدوية، متأثِّرة بمعطيات العصر وضعْف الإنسان.
إنَّ تغيُّر الأجيال هو نوعٌ مِن إظهار قُدرة الله على تنويعِ الخَلْق، فلا يماثل فردٌ فردًا، ولا جيل جيلاً، ولا توجد نُسخٌ مُكرَّرة، وإلا لكَتَب النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – تفسيرًا للقرآن واحدًا يصلُح لهذه النسخ، ولكن تنوُّع ثقافةِ كلِّ جيل كتنوُّعِ ثقافة كلِّ صحابي، فارسي وعربي، وحضري وبدوي، وراهب ومقاتل وتاجر، وسيِّد وعبد وشاعر، وعميق الفِكر، وأُمِّي وكاتب.
________________________________________
[1] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا؛ للعلامة/ محمود شاكر، (ص: 37).
[2] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا؛ للعلامة/ محمود شاكر، (ص: 39).
[3] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا؛ للعلامة/ محمود شاكر، (ص: 94).
[4] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا؛ للعلامة/ محمود شاكر، (ص: 43).
[5] المنهج في كتابات الغربيِّين عن التاريخ الإسلامي (ص: 38 – 39)، (ص: 58 -59)، وما بين () مِن كلام العلاَّمة/ محمود شاكر – رحمه الله – (ص: 57) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا، “وكان مِن غاية الاستشراق، وهدفه أيضًا نقْلُ علوم الإسلام التي كانت مصباحَ النهضة الأوربية وأساسها؛ نقلاً مِن الهامش رقم (2) المصدر السابق.
وقد بلغَتْ نِسبة المنشور مِن هذه الدراسات في مجال التحقيق والنشر 73%؛ انظر: المستشرقون والتراث للدكتور / عبدالعظيم الديب.
[6] حقبة من التاريخ، (ص: 5).
[7] التاريخ وكيف يفسرونه، آلبان ويد جرى، سلسلة الألف كتاب الثاني (221) الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1/163.
[8] قواعد تاريخية لمنع تزييف الوعي، د/ سعيد عبدالعظيم، دار الإيمان، ص11 بتصرف.
[9] كيف نكتب التاريخ الإسلامي، الشيخ / محمد قطب، دار الشروق، ص 103.
[10] قواعد تاريخية لمنع تزييف الوعي، مصدر سابق، ص3.
[11] رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ص 111 بتصرُّف وزيادة أيضًا مِن كلام الشيخ – رحمه الله.
[12] رسالة في الطريق (ص: 112)، يراجع في ذلك: “المستشرقون والإسلام”، و”كيف نكتب التاريخ الإسلامي”؛ كلاهما لمحمد قطب، و”المنهج في كتابات الغربيين” للدكتور عبدالعظيم الديب
[13] كيف نكتب التاريخ (ص: 13 – 14) بتصرف.
[14] نقلاً من المساجلات والمعارك الأدبية، أنور الجندي، ص271، مكتبة الآداب ط / 2008م.
“ويذكرون مِن مآثر الباباوات ومساعيهم المضنية لإحراز المخطوطات العربية، وقد وجَّه أحدُهم تابعًا لبنانيًّا اسمه إلياس السمعاني لابتياعِ ما يعثُر عليه من المخطوطات في لبنان وسورية وفلسطين ومصر، كما كلَّف لبنانيًّا آخر اسمه شمعون السمعاني أن يرتحِل إلى الشَّرْق للغرض نفسه.
وجدّ خلفاؤه (أي: خلفاء الأب لويس شيخو اليسوعي) على أثره، فكانت بعثاتهم ورسلهم تطوف بالشرق الإسلامي مِن مصر والمغرب إلى الشأم والعراق، ثم إلى ما وراءَ النهر فالهند، يشترون أندرَ المخطوطات، وتَبارَى أتباعُهم من رجال الأكليروس الشرقي بإتْحاف مكتبة الفاتيكان بنفائسِ الذخائر العربية، وبلغ ما زوَّد به الكردنيال فردريك رئيس أساقفة ميلانو مكتبة (الأمير وزيانا) عن هذا الطريق ألوفًا من ذخائرِ العرَب، ثم جاء الأبُ راتي فأضاف إلى ثروتها العربية سِتَّة آلاف مخطوط.
فإن لم يكفِ هذا عن بيان صِلة الاستشراق بالكنيسة، فاسمعوا شهادةَ شاهِد منهم، هو المستشرق الإيطالي (كايتاني)، الذي اعترف في مقدِّمة كتابه “حوليات الإسلام” بأنَّه: “إنَّما يريد أن يَفْهَم سرَّ المصيبة الإسلامية التي انتزعتْ مِن الدِّين المسيحي ملايين مِن الأتباع في شتَّى أنحاء الأرْض، ما يَزالون حتى اليوم يؤمنون برسالةِ محمَّد، ويَدينون به رسولاً”؛ نقلاً من
المساجلات والمعارك الأدبية (ص: 271-272).
[15] حقبة من التاريخ، عثمان الخميس، دار الإيمان، ص28- 32 بتصرف.
[16] رسالة في الطريق، مصدر سابق، (ص: 94- 95).
[17] ما بين علامات ” ” نقلاً من المستشرقون والإسلام، ص 78.
[18] ما بين علامات ” ” كيف نكتب التاريخ ص 27، ص 28.
[19] التاريخ وكيف يفسرونه، 1/165.
[20] من دروس شيخنا إبراهيم شاهين – حفظه الله – في معهد فارسكور لإعداد الدعاة.
[21] كيف نكتب التاريخ الإسلامي، مصدر سابق، ص30.
[22] رسالة في الطريق، (ص: 226).
[23] دِراسات في السيرة النَّبويَّة، د/ حسين مؤنس، (ص: 12).
[24] ما بين علامات ” ” نقلاً من المستشرقون والإسلام”، (ص: 78).
[25] وتأمَّلْ معي كلام أحد الذين تأثَّرت نفوسُهم بالغزو الفكري والتغريب، ومدَى اتباعهم لأساتذتهم من المستشرقين، وهو د/ حسين مؤنس؛ إذ يقول: “ومن هنا [أي: من بعد غزوة بدر] تبدأ قصَّة العداء الطويلة بين البيتَيْن الأخويين: عبد شمس وبني هاشم، حتى يصبحَ المحور الرئيسي لتاريخ المسلمين والعرَب إلى نهاية العصر الأُمويِّ على الأقل”؛ نقلاً من دِراسات في السيرة النَّبويَّة لحسين مؤنس (ص: 195)، فانظر لهذا الكلام المدجن الذي يُثير في النَّفْسِ الشجونَ، والذي يدلُّ على مدى تأثُّر هؤلاء بأهلِ الكفر، وهذا ما أراده المستشرِقون أن يفكِّر هؤلاء التلامذة المدجنين بعقولِ أسيادهم المستشرقين، إنَّه نفس المنهج الذي بثُّوه في قلوبنا قبلَ عقولنا فقبلناه ورضينا به وصدقناه.
[26] انظر لمناهج التعليم المختلفة، وتأمَّل لماذا حُذِفت الانتصارات الإسلامية على الصليبيَّة المسيحيَّة الحاقدة الكافرة.
[27] رسالة في الطريق، مصدر سابق، (ص: 163).
[28] رسالة في الطريق (ص: 220)، وهذه هي القضية التي أطلق عليها العلاَّمة / محمود شاكر، قضية التفريغ الثقافي، وهو واقع مشاهد محسوس.
[29] فكيف به – رحمه الله – إذا عَلِم بحالنا نحن في هذا العصر.
يقول د. بكر أبو زيد – رحمه الله – معلقًا: “هكذا – والله- سمَّاهم هذا الاسم العجيب، وحين سأله سائلٌ عن معنى هذه التسمية، أجاب بجواب أعجب وأبدع: هذا جمع مخنَّث سالِم! فأقْسَم له سائله أنَّ اللغة العربيَّة في أشدِّ الحاجة إلى هذا الجمع في هذا الزمن”؛ حراسة الفضيلة، هامش 1، (ص: 98)، ينظر مقدمة تحقيق: جامع الترمذي للشيخ أحمد شاكر – رحمه الله – (1/ 71-72)، نقلاً مِن حراسة الفضيلة، د. بكر أبو زيد، (ص: 97- 98) دار ابن حزم، مصر.
[30] محمَّد رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – منهج ورسالة – بحث وتحقيق، د. محمد الصادق عرجون، عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر سابقًا، (1/19-20).
[31] كما في قصَّة عبدالملك بن مَرْوان مع إحدى جواريه عندما وقَفَتْ له بالباب لما أراد الغزو، فأعْرض عنها وتذكَّر قول جرير:
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ
عَنِ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بِأَطْهَارِ(م)
[32] نقلاً من: مقالة “داء المسلمين ودواؤهم”، مجلة (المسلمون)، السنة الثالثة، العدد9، ذو القعدة 1373 هـ، وانظر آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي.
قلت (أبو شعيب): كطَه حسين الذي تزوَّج فتاة عريقة في النصرانية، والذي قال عن نفْسِه أنه يشعر أن دمًا يونانيًّا يجري في عروقه، ونحن نعلم أنَّ اليونان بلادًا عريقة في الوثنية، وربَّما كان هذا هو السببَ في تنصُّر طه حسين بفرنسا على يدِ زوجته.
[33] التاريخ وكيف يفسرونه، آلبان ويد جري (1/154 – 155).
[34] رسالة في الطريق، (ص: 29).
[35] ولنا في ذلك مشهد يحيَا بيننا: ألاَ وهم اليهود، فتأمَّل تلك الفِئة كيف جعلت من التاريخ الرِّسالي – وإن كان اعتقادًا ضالاًّ – مبدأ حياة، فرَبطَتْ بين تاريخها ووجودها وبقائها، بل تُحارِب متمسكةً بدينها، وهو دِينٌ مُحرَّف مبدَّل.
[36] التاريخ وكيف يفسرونه، (1/209)، وتمَّ نقل كلام هرمان لوتزه من المصدر نفسه، (2 /88).
[37] تحول الدِّراسات التاريخيَّة من الإقليميَّة إلى الإسلاميَّة، أنور الجندي، سلسلة على طريق الأصالة (ص: 3).
[38] بين الآباء والأبناء، دكتور/ سليم العوا، (ص: 26-27).
[39] دراسات في السِّيرة النَّبويَّة، د. حسين مؤنس، (ص: 27).
[40] العقل العربي وإعادة التشكيل، د. عبد الرحمن الطريري، كتاب الأمَّة، عدد – 35 – (ص: 55).
[41] دراسات في السِّيرة النَّبويَّة، مصدر سابق، (ص: 16).

أعجبني
تعليق